عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

19

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

فإذا تأملت النفس الصحيحة الفطرة بما ودّتها إليه فكرتها إلى هذه الذات الإنسانية تأمّلا شافيا واستعملت الاعتبار بها استعمالا كافيا وشاهدت غرائب الحكمة المودعة فيها من جميع جهاتها وأحاطت علما بكلّياتها وجزئياتها التذّت بهذا العرفان ، وقام لها منها عليها واضح البرهان ، فكانت لذتها بها أعظم من لذّات المحسوسات الطبيعية والمنازع البهيمية ، فإذا حصل لها هذا النوع من الإدراك اشتاقت إلى الكمال فيه ، ويقوّيها على ذلك ويؤكّده لديها أن النفوس خلقت بالفطرة تألف بعضها بعضا من أجل المناسبة الأولى ، حتى تصل بتلك المناسبة إلى العشق والافتتان ويكون السبب الموجب لذلك ما تؤدّيه إليها حاسّة البصر من جمال النفس المحبوبة المشرق عليها من عالم الجمال المنعكس منها ذلك على أعضاء بدنها ، فإن نور الجمال شيء تعشقه النفوس بالسرّ المودع فيها وتجذب إليه بخواصّ جوهرها وليس للجمال الجزئي حقيقة إلا إشراق نور النفس على الصورة المعتدلة المزاج الحسنة التأليف ، فإنها كلما كانت الصورة كذلك قبلت من جمال النفس بقدر ذلك الاعتدال ، فلذلك نجد النفوس السليمة الطباع تأنس بالجمال وتحنّ إليه بقدر ما فيها من اللطافة حتى تذلّ له وتخضع وتنقاد غاية الانقياد ، كما قيل : [ من الطويل ] وكم قد أذلّ الحبّ من متعزّز * فأضحى وثوب العزّ عنه سليب وإنّ خضوع النفس في طلب الهوى * لأمر إذا فكرت فيه عجيب « 1 » تنبيه ولما قلنا إن النفس قبل كمالها لا تكتسب المعارف المكمّلة لذاتها إلا من الخارج بطريق الحواسّ ، حتى أن من فقد الحواسّ فقد فقد العلوم الضرورية ، ولا تدرك النفس الجمال الجزئي إلا بحاسّة البصر ، فإن البصر مهما أدرك الصورة الحسيّة عند المقابلة بما فيه من النور الباصر ونقلها إلى الخيال تمثّلت فيه على ما كانت عليه في الخارج ، ويكون انطباع الصورة في الخيال بقدر صفائه وسلامته من الآفات ، فإن كان للنفس اعتناء بهذه الصورة حفظتها الحافظة حتى تنقلها إليها وإلا امتحت وتلاشت ، ولا تزال النفس تطّلع على خزانة الصور وتنظر لما يحصل فيها

--> ( 1 ) هذان البيتان هما للشاعر العباسي راشد بن إسحاق أبو حكيمة ورد شعره في كتاب « شعراء عباسيون منسيّون » . عاش في القرن الثالث الهجري وهو مجهول تاريخ الولادة والوفاة . ومطلع القصيدة هو : ومستوحش لم يمس في دار غربة * ولكنّه ممّن يحبّ غريب